السبت، 29 أغسطس 2009

الهدف


" ينبغي أن نحاول جعل النهار التالي أفضل من الحالي، مادمنا على الطريق، ولكننا حينما نصل إلى الهدف، سنستقر في فرح متساو. "

إبيقور

سمكة


"إن الادعاء بأنه لا يوجد إلا عالم واحد في الكون اللامحدود، هو عبث مماثل للاعتقاد بأن المحيط لا تسكنه إلا سمكة واحدة"

ميترودور الإبيقوري

الأربعاء، 26 أغسطس 2009

ليس أقل

سألني إبيقور،
بعد أن اعترضني على مدخل حديقته،
-"ماذا تتوقع من انضمامك إلينا؟"
قلت: "ليس أقل من حيلة تخفف عني ألم ضرسي المنخور."
فسمح لي بالدخول.

الأربعاء، 19 أغسطس 2009

حكمة الآخرين

الآخرون كلهم:
النباتات والحشرات والحيوانات،
يقبلون الموت تماما كما يقبلون الحياة،
أمرا واقعا لا يحتاج إعادة نظر.

الأحد، 16 أغسطس 2009

شجرة

شجرة في الفناء،
لا يبالي بها أحد،
ولكنها هي أيضا،
لا تبالي بأحد.

السبت، 15 أغسطس 2009

تمييز

البطاريق،
سجادة ممتدة من الأبيض والأسود،
على ساحل المحيط الثلجي،
صخبها الهائل لا يمنعني من التمييز،
بين صياح أم مزهوة بفرخها الرشيق،
ونواح أخرى يغادرها فرخها،
مجندلا في منقار نسر جائع!

عزاء

ملائكة مسلولة،
يتساقط القمل من ريش أجنحتها،
يتجمعون عند عربات الفول في شوارع القاهرة،
ويراقبون المصريين وهم يبدأون يومهم بقضم البصل الأخضر،
وبلا حماس،
يوحون بعزاء واحد للجميع:
إذ لم يعد من الممكن أن تتدهور الأحوال أكثر.

يهوذا 3

لماذا جشم رؤساء اليهود أنفسهم عناء رشوة يهوذا،
أما كانوا يستطيعون تكليف أحد صبيانهم بمراقبة يسوع ومن ثم يعتقلونه وقتما يشاءون؟
ولكن من الذي يجرؤ على مخالفة القواعد الصارمة،
للميلودراما!

يهوذا 2

ألم تكن براءته الطفولية،
هي التي صورت له أن خطأه قابل للتدارك،
فأعاد الثلاثين شاقلا من الفضة،
متوقعا أن يستعيد المسيح!

يهوذا 1

قتله ندمه،
ولكن حتى الإله نفسه،
لم يكن لديه من الغفران ما يكفي،
يهوذا الإسخريوطي.

الخميس، 13 أغسطس 2009

هايكو الانتحار

المجد للانتحار،
إنه سلطتي المطلقة الوحيدة،
به أستطيع أن أكف هذا العالم كله عن الوجود،
لو كان لدي ما يكفي من القسوة!

تزامن

رأيت الممرضة تحمل ابنتي من عقبيها بيد واحدة وهي تبكي بملء فمها الصغير جدا بعد أن تنفست الهواء للمرة الأولى،لفتها في غطاء أبيض، ووضعتها فجأة بين يدي، فابتسمت لها، بعد أن مست كفي بأناملها الرقيقة، وسألتني بأمومة:"بابا، بابا، إنت كويس يا حبيبي؟"كنت مريضا جدا، وكانت هي من يرعاني الآن، لآن الآخرين كلهم هجروني لأسباب مختلفة لا أستطيع تذكرها...إبتسمت لها، ومت، مفتونا بالمشهد.

الأربعاء، 12 أغسطس 2009

هايكو الصمت

الصمت،
عباءة من المخمل،
تلفني،
أنا ومليارات العوالم الأخرى.

المتنبي وبورخيس

يواجه كل منهما الآخر بثبات أليم،
وأخيرا يغمغم الأرجنتيني بإسبانيته المنغمة:
- سأكون ممتنا للسيد لو أنه ذكرني بنفسه!
ينفخ المتنبي صدره ويشرع في الإجابة بكل ما تبقى في عروق رقبته المقطوعة من فخامة:
-أنا...أنا الذي...!
...
...
ولكن: بورخيس أعمى،
والمتبي لا يفهم الإسبانية.

هايكو الموت

الموت،
عصفور لا لون له،
سينقر عينيك بموضوعية،
ثم يرفرف بوداعة مبتعدا.

تطهر

ذات الحظة التي ضغط فيها مغسل الموتى على أسفل بطني،
ليخرج ما تبقى من بول بداخلي،
وانتهى مساعده من لف كتلة القطن،
التي سيزج بها في مؤخرتي،
طوال فترة موتي،
بحسب ما تقضي به الشريعة،
في ذات اللحظة،
شبت النار في جسدي الميت،
لتحولني سريعا إلى كومة منبسطة من الرماد المتوهج المسالم،
الذي سيتبدد فور أن يفتح الرجلان المذعوران الباب،
متدافعين للفرار من حضرتي المتلاشية.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2009

معرفة

سألت شجرة اللوز:
هل الله موجود؟
فلم تحرك شجرة اللوز ساكنا.

ميت

أنا ميت،
أصدقائي كلهم يعرفون ذلك،
وهم لهذا السبب فيما أظن،
يتجاهلونني تجاهلا قاطعا،
يرفضون مصافحتي،
ويُعرضون عني،
إذا ما كمنت لهم،
في زاوية الشارع،
أو عتمة بئر السلم،
لا يكفون عن التمتمة،
بقل أعوذ...
بأصوات مرتعشة،
ورؤوس وقف شعرها.
إلى أن أضجرتني نذالاتهم المتكررة،
فقاطعتهم للأبد،
...
أنا،
ميت إذن،
يا للمرارة.

هايكو التعثر

بغتة،
وأنا أهرول في الشارع المسيج بالأشجار،
سكتت العصافير،
فتعثرت.

رعب

لو أنني كنت قد وقفت في حياة سابقة أمام أرفف كهذه تتخمها كتب بالعربية فلابد أنني قلت:
-" لا يحتمل قلبي لغزا مستفزا بهذا الحجم دون أن أهدهده بأنني سأعرف العربية ذات حياة تالية، لأفض كل هذه الكتب."
فأنا الآن أمام حائط شاسع من المجلدات الجهمة المرصوصة لشروح لانهائية للتلمود، تلتمع على أعقابها كلمات عبرية غائرة.

حضور

قطعة عملة سويسرية منطفئة البريق من فئة الفرنكين كانت في الجيب الداخلي لصدرة ألبرت آينشتين الأثيرة المهترئة التي لم يقلع عن عادة ارتدائها إلا بضغط من موته الشخصي، العملة التي كانت تلمع على طاولته ذات صباح ثلجي في مكتب براءات الاختراع السويسري لتشهد على أولى لحظات الاستنارة الهائلة لأول كائن يدرك طبيعة الزمان والمكان، هي الجزء الوحيد المتبقي من وعاء التسول المعدني للراهب الهندي غوتاما الذي صار في حضورها بوذا كاشف السر ومطلق المعرفة، هم يحبسونها الآن في متحف آينشتين بنيويورك، مؤخرين -بجهل أليم- الاستنارة التالية.

الاثنين، 10 أغسطس 2009

تأجيل آخر للقيامة

يتلوى بتأثير الحمى وعضات البق،
ولكنه منتش كأنه عب برميلا من البيرة السوداء الملهمة،
قال يوهان سيباستيان باخ لزوجته آنا ماغدالينا وهو يناولها المخطوطة السميكة المشعثة:
-"إنسخي يا ماغدا، إنسخي،
سبع متتاليات مترابطة للتشيلو المنفرد،
كل واحدة من سبع حركات،
ثلاث ساعات من العظمة المقطرة،
إذا ما عُزفت في جلسة واحدة،
قامت القيامة."
باخ الذي غطس في النوم فورا، هو وعبقريته وبقه، ترك زوجته -التي طالما شكت في أنه يسرق الألحان من داخلها كلما قبل شفتيها، فحظرت عليه تقبيل الفم قطعيا-
تركها وقد انفتحت في مخها هوة مرعبة،
إذ لا يمكن السماح للقيامة بأن تقوم بغتة هكذا،
ففي هذه الأيام ما من أحد على استعداد في العالم المسيحي،
ينبغي أن يُمنح لعباد المسيح وقتا أوسع لولوج ملكوت السماوات.
آنا فصلت المتتالية السابعة بأجزائها السبعة عن المخطوط،
وفكرت قليلا ثم فصلت المقطوعة السابعة عن كل من المتتاليات الستة المتبقية،
لتحافظ على الاتزان الكلي: ستة في ستة،
ثم ألقت بما استبعدته في نار المدفأة،
واستلقت إلى جوار زوجها،
منصتتة له برضا وهو يغط كالأرغن،
وسرعان ما نامت،
بعد أن تضاءلت ببركة صنيعها،
إلى الصفر تقريبا،
احتمالات القيام الوشيك للقيامة.

التشيلو

ذات ظهيرة حارة من يوليو عام 1952 ضُبط الروسي مستيسلاف روستروبوفيتش أعظم عازفي التشيلو في القرن العشرين،
ضُبط راكعا يصلي.
نُقل التقرير فورا لأعلى الجهات في الحزب الشيوعي،
ورُحل العازف مقيدا من لينينغراد إلى موسكو،
حيث استجوبه ستالين شخصيا.
جوزيف الذي جعله إحساسه بموته الوشيك أكثر ميلا للمبالغات الميلودرامية، صاح فجأة:
-"لماذا فعلت ذلك يا فأر المجاري؟
صرت مؤمنا إذن؟
سأجعلك تعزف لي كل سوناتات التشيلووالبيانو لبيتهوفن، قبل أن أطخك في عينك اليسرى،
يا ابن القحبة!"
ميتيا الذي اكتمل صلعه خلال يومي اعتقاله، ابتسم للرفيق الغاضب، واعترف بصوت مرتعش:
-"كنت بحاجة لمن يساعدني، لأواجه الطاغية المستبد الظالم: التشيلو."
حدق فيه ستالين للحظة بذهول،
قبل أن يصدر أمره السريع بإطلاق سراحه، ثم يغادر غرفة التحقيق بوجه جامد.*
_____________________________________
* حاشية:
روى طبيب ستالين الخاص، في مذكراته التي لم تُنشر إلا في التسعينيات، أن هذيان ستالين في لحظات احتضاره، تضمن وصفا لآلة تشيلو ذات وجه بشري، يتم دفنها حية، وهي حكاية لم يعرفها روستروبوفيتش قط، لأنه مات قبل نشر الكتاب بشهر واحد.

تجل

تجلى لي،
أنا الذي لا يستحق،
وألهمني المعرفة والمحبة،
ومنحني القدرة،
ثم تأملني بغبطة،
وهو يستوي على عرشه،
أنا الذي لا يستحق،
وهو،
هو الذي سيفعل ذلك مع الجميع،
تباعا،
واحدا،
واحدا.

الأحد، 9 أغسطس 2009

تنغيص

في الخلفية،
في أعمق أعماق الواقع،
وبعد أن تنفض عن نفسك،
الانبهار الإجباري بالبذخ الفاضح،
الذي يكاد أن يكون مغثيا،
مقاعد الحمامات من الزمرد،
والمبولة سبيكة منحوتة من الذهب والفضة،
وكلما سرت ساعة،
رايت انهارا جديدة من اللبن الأبيض والويسكي الأصفر،
ونساء بلا حصر لا يسرهن شيء،
قدر مرأى قضيبك المنتصب.
ولكن،
هناك،
بعيدا جدا في الخلفية،
ثمة صوت يشبه صفيرا ثابت الذبذبة،
لو أغمضت عينيك،
وأرهفت أذنيك جدا،
لأدركت كما فعلت أنا،
أنه عويل المعذبين أبدا في جهنم المجاورة،
ولنغص عليك اكتشافك هذا،
حياتك الأبدية،
تماما كما نغصها علي.